التاريخ المسيحي في لبنان، وبخاصة الماروني، تبرز ظاهرة لافتة للنظر و تستحق التأمل العميق: معظم القديسين الموارنة الذين أضاءوا الكنيسة والشرق في العصر الحديث، ظهروا وازدهروا وتركوا بصماتهم الروحية الخالدة في فترة محددة نسبياً، هي فترة المتصرفية (1861-1915). هل هي مجرّد صدفة أو أنه هنالك سبب أعمق لهذه الظاهرة؟
برأيي الشخصي، بروز القداسة المارونية بهذا الشكل ليس صدفة، بل ثمرة طبيعية لظروف تاريخية وسياسية وروحية نضجت على مدى مئات السنوات وتُوّجت بالحكم الذاتي المسيحي في جبل لبنان. بعبارة أخرى، القداسة ترعرعت ونمت وأثمرت في ظلّ الحرّية المسيحية
هذا لا يعني طبعاً أن ظهور القدّيسين في المسيحية الشرقية كان محصوراً بالزمان أو المكان، فهنالك المئات والآلاف من الأرواح الطاهرة التي زيّنت تاريخنا وألهمت إيماننا منذ بدايات الكنيسة الأولى حتى اليوم، لكن تلك الفترة تحديداً في تاريخ جبل لبنان كانت استثنائية بظهور عدد كبير من القدّيسين والطوباويين.
عصر السلام الطويل
في تلك الحقبة التي اطلق عليها أحد المؤرخين اسم “السلام الطويل”، تمكن المسيحيون في جبل لبنان من حكم ذاتهم باستقلالية نسبية عن العثمانيين، بعد قرون من الاضطراب والمذابح والضغوط، فاستقرت حياتهم، وانفتحت أمامهم أبواب الحرية الداخلية التي سمحت للروح بالتعمق والإثمار.
قبل المتصرفية، كان جبل لبنان مسرحاً لصراعات طائفية دامية، بلغت ذروتها في مذابح 1860 التي هزت الجبل والمنطقة. كان الوجود المسيحي مهدداً، والكنيسة المارونية تعيش حالة دفاع مستمر عن الوجود نفسه. استمرّت من القرن السابع مع الغزوات العربية، واشتدّت في القرن الثالث عشر مع الحملات المملوكية، وصولاً إلى الضغط البطيء في ظلّ الاحتلال العثماني والحروب الدموية في القرن التاسع عشر. بعد تدخل الدول الأوروبية وصدور النظام الأساسي لجبل لبنان عام 1861، أُنشئت المتصرفية ككيان شبه مستقل، يحكمه متصرف مسيحي (غير لبناني غالباً) معتمد من السلطان العثماني، وبضمانات دولية. هذا الترتيب، رغم محدوديته، وفر استقراراً أمنياً وازدهاراً اقتصادياً استمر حتى الحرب العالمية الأولى.
في المتصرّفية، لم يعد المسيحيون مجرد رعايا تحت رحمة السلطة المركزية أو عرضة للتقلّبات السياسية بين الجماعات الدينية المختلفة في المشرق، بل أصبح لهم فضاء يمارسون فيه شؤونهم الداخلية بحرية أكبر. في هذه البيئة، ازدهرت الحياة الرهبانية والنسكية لأن ذلك سمح لها بالانتقال من العمل للحفاظ على الوجود إلى التفرّغ للشأن الروحي.
قدّيسو وطوباويّو الحرية المسيحية
القديس شربل مخلوف (1828-1898) دخل الرهبنة عام 1851 وأصبح ناسكاً في عنايا عام 1875، عاش معظم سنواته الرهبانية والنسكية في ظل هذا الاستقرار. لم يكن عليه أن يقاتل من أجل البقاء، بل تفرغ للصلاة والصوم والتأمل العميق، فأثمر حياة قداسة أصبحت اليوم نوراً للعالم كله.
كذلك القديسة رفقا (1832-1914) التي ارتدت ثوب الابتداء في 19 آذار 1861 في العام نفسه الذي بدأت فيه المتصرفية وعاشت حياتها الدينية في أديرة الجبل، حيث تحملت آلامها بصبر قداسي. أما القديس نعمة الله الحرديني (1808-1858) فقد كان جسراً بين عصرين، معلماً لجيل شربل ومعدّا للطريق في فترة انتقالية نحو الاستقرار.
لم تتوقف هذه الثمار الروحية عند القدّيسين بل امتدت لتشمل طوباويين آخرين يمثلون استمرارية الازدهار الذي أتاحته فترات الحرية والحكم الذاتي في جبل لبنان. فالبطريرك الطوباوي إسطفان الدويهي (1630-1704)، المؤرخ والراعي العظيم، عاش في زمن كانت فيه الكنيسة المارونية تتمتع بهامش من الاستقلال الذاتي سمح لها بالحفاظ على تراثها وتدوين تاريخها.
وفي العصر الحديث، جاء البطريرك الطوباوي إلياس الحويك (1843-1931)، الذي عاش معظم حياته في ظل المتصرفية وما بعدها، وهو بطريرك لبنان الكبير الذي وإن اختلفنا مع رؤيته السياسية، يبقى أنه كان يحمل صوت المطالبة بكيان لبناني مستقلّ يحمّي حرّية المسيحيين الدينية والثقافية.
أما الطوباوي بشارة أبو مراد (1853-1930)، الكاهن والمرشد في جمعية المرسلين اللبنانيين الموارنة، فقد جسَّد التجرد والخدمة في قلب تلك الحقبة. ومن الجيل اللاحق مباشرة، الطوباوي الأب يعقوب حداد الكبوشي (1875-1954)، مؤسس جمعية راهبات الصليب، الذي حوّل آلام الحرب والفقر إلى مؤسسة حياة مكرسة. كذلك الشهيدان الطوباويان ليونار عويس ملكي وتوما صالح (1879-1917 و1881-1917)، الكاهنان الكبوشيان اللذان استشهدا في أواخر عهد المتصرفية، فكان دمهما ختمًا على الشهادة في زمن الاضطراب.
وأخيرًا الطوباوي الأخ إسطفان نعمة (1889-1938)، الراهب الماروني الذي عاش حياة صمت وتأمل عميق، وطُوِّب عام 2010، ليكون شاهدًا حيًا على أن الاستقرار الذي بدأ في المتصرفية استمر يُنبت رهبانًا ونساكًا لعشرات السنوات التالية.
هذه ليست قائمة أسماء فقط، بل شهادة على أن الاستقرار السياسي والحرية النسبية يخلقان مناخاً ينمو فيه النسك والقداسة.
حق تقرير المصير هو مطلب روحي أيضاً
حين يكون الإنسان مطمئناً على أمانه الجسدي ووجوده الثقافي والاجتماعي، يستطيع أن يتجه نحو الداخل ونحو الأعلى، نحو اللقاء مع الله. في أزمنة الاضطهاد والخوف، يتحول الجهدالإنساني كله إلى البقاء، ويضمر الإبداع الروحي.
فترة الحكم الذاتي لم تقتصر ثمارها على القداسة الفردية، بل شهدت أيضاً ازدهاراً ملحوظاً في الإنتاج الأدبي والثقافي، بما في ذلك الحفاظ على التراث السرياني وتطويره لدى الموارنة. في الأديرة والمدارس التي انتشرت في الجبل، ازدهرت الدراسات الليتورجية واللاهوتية والتاريخية، فضلاً عن مساهمة المسيحيين بشكل هائل في ما عُرف فيما بعد بالنهضة العربية من خلال الكتابة والطباعة والتعليم، مع الحفاظ على جذورهم السريانية في الليتورجيا والتراث.
كانت الأديرة مراكز إشعاع ثقافي، تنسخ المخطوطات وتحفظ اللغة السريانية وتنقلها، بينما انفتحت على العالم من خلال الجامعات الناشئة في بيروت. هذا الازدهار الثقافي لم يكن منفصلاً عن الازدهار الروحي؛ بل كان امتداداً له.
الحرية التي سمحت للرهبان بالتفرّغ لرحلتهم الروحية، سمحت أيضاً للمفكرين والكتاب بالإبداع دون خوف دائم من الزوال. ما الذي يفسر هذه الظاهرة؟
التاريخ يقدم لنا أسباباً مترابطة. أولاً، الاستقرار الأمني أتاح للكنيسة تنظيم حياتها الداخلية بحرية أكبر: بناء الأديرة، تنظيم الرهبنات، إرسال الإرساليات، وتعليم الأجيال. ثانياً، الازدهار الاقتصادي النسبي، خاصة عبر تجارة الحرير، وفر موارد دعمت المؤسسات الكنسية والتعليمية. ثالثاً، الحكم الذاتي عزّز أساسات الهوية وعمّق الشعور بالكرامة، فلم يعد المسيحي يعيش كأقلية مهددة بل كشريك في إدارة مصيره.
الأهم من ذلك كلّه، هذه الحرية، هذا الحقّ بتقرير المصير واختيار المستقبل، سمح للمسيحيين بالاختيار الحرّ لما يريدون التركيز عليه في حياتهم الجماعية والفردية، وكثر منهم اختاروا التركيز على ما هو الأحبّ على قلبهم: يسوع المسيح.
فترة المتصرّفية كانت مرحلة انتقالية نحو الحداثة، لكنها كانت أيضاً مرحلة عودة إلى الذات الروحية والثقافية. لم يكن الاستقرار مجرد غياب للحرب، بل فضاء انفتح فيه القلب والعقل على آفاق أوسع.
هنا تكمن الحقيقة العميقة: الحكم الذاتي والحرية للمسيحيين ليسا مطلباً سياسياً أو اقتصادياً عادياً فحسب، بل هما في جوهرهما مطلب روحي.
الإنسان المخلوق على صورة الله يحتاج إلى حرية خارجية ليحقق حريته الداخلية. بدون استقرار وحرية، تبقى الروح محاصرة في معركة البقاء. أما معهما، فيزدهر النسك والقداسة والإبداع الثقافي، ويصبح المسيحي قادراً على أداء دوره التاريخي والروحي في الشرق: أن يكون شاهداً حياً على المسيح، أن يشعّ نوراً في الظلمة، وأن يبني، سياسياً واجتماعياً وثقافياً، منارة للحرية والفضيلة في منطقة مثخنة بالجراح والصراعات، وأن يكن أيضاً حافظاً لتراث روحي وثقافي غني عمره آلاف السنوات يثري الكنيسة الجامعة والإنسانية بأكملها.
القديسون والطوباويون الذين أثمروا في تلك الفترة لم يكونوا مجرد أفراد قديسين، بل كانوا ثمار شجرة الحرية التي غُرست في تربة جبل لبنان. حين ننظر إلى تلك الحقبة، ندرك أن أي حديث عن دور المسيحيين في الشرق يظل ناقصاً إذا أغفلنا هذا البعد الروحي العميق للحرية والحكم الذاتي.
الحرية والقدرة على اختيار مستقبلنا ليست ترفاً سياسياً، بل شرط أساسي لكي تزهرالروح وتثمر في أرض الشرق.

Leave a comment